ابن رشد
85
تهافت التهافت
يكون العالم أزليا فيما مضى ، ولسنا نحيل أن يكون أزليا فيما يستقبل إلا أبو الهذيل العلاف فإنه يرى أن كون العالم أزليا من الطرفين محال ، فليس كما قال لأنه إذا سلم لهم أن العالم لم يزل إمكانه وأن إمكانه يلحقه حالة ممتدة معه يقدر بها ذلك الإمكان كما يلحق الموجود الممكن إذا خرج إلى الفعل تلك الحال . وكان يظهر من هذا الامتداد أنه ليس له أول . صح لهم أن الزمان ليس له أول إذ ليس هذا الامتداد شيئا إلا الزمان وتسمية من سماه دهرا لا معنى له ، وإذا كان الزمان مقارنا للإمكان والإمكان مقارنا للوجود المتحرك فالوجود المتحرك لا أول له . وأما قولهم : إن كل ما وجد في الماضي فله أول فقضية باطلة ، لأن الأول يوجد في الماضي أزليا كما يوجد في المستقبل ، وأما تفريقهم في ذلك بين الأول وفعله فدعوى تحتاج إلى برهان لكون وجود ما وقع في الماضي مما ليس بأزلي غير وجود ما وقع في الماضي من الأزلي ، وذلك أن ما يقع في الماضي من غير الأزلي هو متناه من الطرفين ؛ أعني أن له ابتداء وانقضاء وأما ما وقع في الماضي من الأزلي فليس له ابتداء ولا انقضاء ولذلك لما كانت الفلاسفة لا يضعون للحركة الدورية ابتداء فليس يلزمهم أن يكون لها انقضاء ، لأنهم لا يضعون وجودها في الماضي وجود الكائن الفاسد ، ومن سلم ذلك منهم فقد تناقض ، ولذلك كانت هذه القضية صحيحة أن كل ما له ابتداء فله انقضاء . وأما أن يكون شيء له ابتداء وليس له انقضاء فلا يصح إلا لو انقلب الممكن أزليا ، لأن كل ما له ابتداء فهو ممكن . وأما أن يكون شيء يمكن أن يقبل الفساد ويقبل الأزلية فشئ غير معروف ، وهو مما يجب أن يفحص عنه وقد فحص عنه الأوائل ، فأبو الهذيل موافق للفلاسفة في أن كل محدث فاسد وأشد التزاما لأصل القول بالحدوث . وأما من فرق بين الماضي والمستقبل بأن ما كان في الماضي قد دخل كله في الوجود وما في المستقبل فلا يدخل كله في الوجود وإنما يدخل منه شيء فشئ ، فكلام مموّه . وذلك أن ما في الماضي بالحقيقة فقد دخل في الزمان ، وما دخل في الزمان فالزمان يفضل عليه بطرفيه وله كل وهو متناه ضرورة ، وأما ما لم يدخل في الماضي كدخول الحادث فلم يدخل في الماضي إلا باشتراك الاسم ، بل هو مع الماضي ممتد إلى غير نهاية وليس له كل وإنما الكل لأجزائه . وذلك أن الزمان إن لم يوجد له مبدأ أول حادث في الماضي ، لأن كل مبدأ حادث هو حاضر ، وكل حاضر قبله ماض ، فما يوجد